حظر أونروا.. ادعاءات باطلة وقرار مخالف للمواثيق الدولية يحرم مليوني إنسان من الحق في الحياة

تقرير: سلمى نصر الدين
قبل شهر مضى وتحديدا في 29 يناير/كانون الثاني 2025، ألغت حكومة الاحتلال الإسرائيلي التأشيرات وتصاريح العمل لموظفي أونروا الموجودين في المقر الرئيسي بحي الشيخ جراح في القدس الشرقية، وذلك قبل ساعات من بدء دخول تشريع إسرائيلي بحظر أنشطة أونروا (وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين) في الأراضي المحتلة وغزة.
وتعليقًا على القرار، قال المتحدث باسم وكالة الأونروا جوناثان فاولر، إن المبنى المُطالب بإخلاءه تابع للأمم المتحدة ومحمي بموجب اتفاقية 1946 بشأن المواقع الدبلوماسية، موضحًا أنه رغم ذلك عليهم إخلاء المبنى لأنه موظفي الوكالة يحصلون على تأشيرة أو تصريح بالعمل من قبل الحكومة أو الدولة التي يعملون بها وأونروا لا تعمل مخالفة للقانون.
وكان أعضاء برلمان حكومة الاحتلال الإسرائيلي “كنيست” قد صوتوا الإثنين 28 أكتوبر/تشرين الأول 2024، بالموافقة على قرارين ينصان على حظر عمل أونروا (وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة) من الأراضي الواقعة تحت سيطرة جيش وحكومة الاحتلال: الضفة الغربية والقدس، ويدخلا حيز التنفيذ خلال 90 يومًا من إقرارهم (نهاية يناير المقبل).
وفي فجر الإثنين 4 نوفمبر/تشرين الثاني، أبلغت حكومة الاحتلال رسميًا الأمم المتحدة بقطع اتصالها وعلاقاتها مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وألغت الاتفاقية الموقعة بين دولة الاحتلال وأونروا عام 1967، والتي تنظم العمل بين حكومة الاحتلال والوكالة.
ينص القرار الذي حصل على موافقة 92 عضوًا مقابل رفض 10 أعضاء، على منع الاتصالات مع أونروا، في الوقت الذي تحتاج فيه أونروا إلى طلب تنسيق بينها وبين سلطات الاحتلال، بتنفيذ القرار لن تصدر حكومة الاحتلال بعد الآن تصاريح عمل أو دخول لموظفي الوكالة، ولن يعد التنسيق مع الجيش الاحتلال، وهو أمر ضروري للمرور الآمن للمساعدات، ممكنا.
تبعات كارثية
داخل قطاع غزة، يترتب على قرار برلمان حكومة الاحتلال حرمان 1.5 مليون لاجئ مسجل لدى أونروا يعيشون داخل 8 مخيمات للاجئين/ات الفلسطينيين/ات في القطاع، إضافة إلى 286 ألفا و645 طالبا/ة لاجئا مسجلا داخل 183 مدرسة تابعة للوكالة، وتستقبل العيادات الطبية التابعة للوكالة قرابة 3.4 مليون زيارة سنويا من المرضى الفلسطينيين.
وفي الضفة الغربية ستنقطع خدمات الوكالة عن 828 ألفًا و328 لاجئا مسجلين لديها يعيشون داخل 19 مخيما، وسيحرم 48 ألفًا و192 طالبا/ة مسجلين داخل 96 مدرسة تابعة لـ أونروا من الرعاية اللازمة لاستكمال مسارهم التعليمي، وتسجل عيادات أونروا داخل الضفة 895 ألف زيارة سنويا.
يُوقف القرار أيضا جملة من التسهيلات والإعفاءات والامتيازات الممنوحة للوكالة وموظفيها، علاوة على الإعفاءات الضريبية والاستيرادية التي تحظى بها الوكالة، وامتيازات أخرى نصت عليها الاتفاقية الموقعة بين الوكالة وحكومة الاحتلال عام 1967.
الوكالة مستمرة في عملها
تؤكد إيناس حمدان، القائم بأعمال المتحدث باسم أونروا في غزة، أن موظفي الوكالة يستمرون في أداء عملهم داخل بيئة معادية، مع عدم وجود ضمانات لحماية الموظفين، موضحة أنه إذا حدث لهم أي مكروه، فلن يكون لدى الأونروا أي إمكانية للتواصل مع المسؤولين الإسرائيليين.
وأشارت أن الوكالة لديها موظفين احتٌجزوا من غزة خلال الأشهر الـ 15 الماضية.
تُضيف حمدان في تصريحات خاصة لـ مواطن: يؤثر قرار منع التواصل أيضًا على تدفق المساعدات، خاصة وأن إدخال الشاحنات عبر الحدود يتطلب التواصل مع السلطات الإسرائيلية المسؤولة عن عمليات التسليم.
وتٌعيد التأكيد على أنه لا يوجد أي وكالة أخرى تابعة للأمم المتحدة تدير نظام رعاية صحية أولية متكامل يشمل العيادات والفرق الطبية المتنقلة والأطباء والممرضين ونظامًا رقميًا صحيًا يحتفظ بسجلات جميع المرضى.
كما لا توجد أي وكالة أخرى تابعة للأمم المتحدة لديها التفويض أو الموارد لإدارة نظام تعليمي متكامل مع المعلمين والمربين أو المعرفة والخبرة والتمويل اللازم للقيام بذلك.
شريان الحياة
وعلقت أونروا على القرار في بيان لها عبر حسابها الرسمي بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أن الوكالة “هي الشريان الرئيسي للاجئي فلسطين في قطاع غزة والضفة الغربية وكذلك في القدس الشرقية، وبتوقف أونروا عن العمل سيُحرم مئات الآلاف من الفلسطينيين من الخدمات الأساسية وستنهار الاستجابة الإنسانية في غزة”.
وقد وصفت منظمة العفو الدولية القانون بأنه “مروع وغير إنساني”، ولن يؤدي إلا إلى تفاقم معاناة الفلسطينيين، وطالبت المجتمع الدولي أن يسارع إلى إدانته بأقوى العبارات الممكنة وممارسة أي تأثير لديه على حكومة الاحتلال الإسرائيلية لإلغائه.
يأتي قرار حكومة الاحتلال بعد مرور قرابة 11 شهرًا على اتهام الاحتلال الإسرائيلي أونروا بالتورط في هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 الذي نفذته حركة حماس والمقاومة الفلسطينية داخل الأراضي الفلسطينية المُحتلة، ورُغم إجراء الأمم المتحدة مراجعة مستقلة برئاسة كاثرين كولونا، وزيرة خارجية فرنسا السابقة، والتي برأت الأونروا. وخلص تقريرها إلى أن “الوكالة وضعت عددا كبيرا من الآليات والإجراءات لضمان التزامها بالمبادئ الإنسانية، بالتركيز على مبدأ الحياد، إلا أن الاحتلال الإسرائيلي استمر في تطبيق خطتها لإنهاء عمل الوكالة”.
كيف نشأت أونروا؟
أُنشئت أونروا بعد حرب 1948، بموجب القرار رقم 302 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 8 ديسمبر/كانون الأول 1949؛ لتقديم الدعم والإغاثة والتشغيل للاجئي فلسطين، وبدأت الوكالة عملها مطلع أيار 1950.
وفي غياب حل لمسألة لاجئي فلسطين، عملت الجمعية العامة وبشكل متكرر على تجديد ولاية أونروا، وكان آخرها تمديد عمل الأونروا حتى 30 حزيران 2026.
تعمل أونروا في 5 مناطق رئيسية هي: قطاع غزة، والضفة الغربية، وسوريا، ولبنان، الأردن لتقديم خدمات الإغاثة والتعليم والصحة لنحو 6 ملايين لاجئ فلسطيني. يعيش 1.6 مليون لاجئ فلسطيني في قطاع غزة، وتضم الضفة الغربية 901 ألف لاجئ فلسطيني.
خطة حظر أونروا ومزاعم باطلة
تشمل خطة دولة الاحتلال لحظر أونروا 3 مراحل، وفقًا لوثيقة أمنية نشرتها القناة الـ 13 الإسرائيلية: الأولى تتضمن تقريرًا شاملاً عن تعاون “أونروا” المزعوم مع حركة حماس، والثانية تقضي بتقليص عمليات الوكالة في القطاع المحاصر، والبحث عن منظمة مختلفة لتوفير خدمات التعليم والرعاية الاجتماعية، وفي المرحلة الثالثة سيتم نقل جميع واجبات الوكالة إلى الهيئة التي ستحكم غزة بعد الحرب.
أكد الخطة بيان لوزارة خارجية الاحتلال، نقلت فيه تصريحات عن وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كارتس اتهم فيه الأونروا بأنها جزء من المشكلة وليست الحل، مكررًا المزاعم حول تورط أونروا في هجمات 7 أكتوبر، فيما قال مندوب إسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون، إن حركة حماس تسيطر على الوكالة، مضيفًا أن دولة الاحتلال مستمرة في التعامل مع المنظمات الإنسانية وليس تلك التي تدعم الإرهاب.
وردا على مزاعم دولة الاحتلال، قالت أونروا إنها لم تتلق أي معلومات من سلطات الاحتلال حول الادعاء المذكور، ولم تُقدم لها أي أدلة مادية تُثبت صحة التورط، وأنها علمت عن الادعاء من وسائل الإعلام الدولية.
وأكدت أونروا عبر موقعها الرسمي، أن الوكالة تقوم بعمليات تدقيق مفصلة عن الموظفين الذين تتعاقد معهم، كما تُشارك أسماء وأرقام ووظائف جميع الموظفين كل عام في جميع مناطق العمليات الخمس مع السلطات المضيفة (لبنان والأردن وسوريا والسلطة الفلسطينية)، وبالنسبة للضفة الغربية، التي تشمل القدس الشرقية، وغزة، مع إسرائيل بصفتها السلطة المحتلة. إن هذا يعني أنه في جميع الأوقات، فإن الدول المضيفة وإسرائيل على علم تام وعلى دراية بتفاصيل جميع الموظفين العاملين في أونروا. كما تتلقى الدول الأعضاء الأخرى في الأمم المتحدة هذه القوائم عند الطلب.
وتابعت أونروا: اطلعت دولة الاحتلال ودول أعضاء أخرى على أسماء الأفراد الإثني عشر الذين وجهت ضدهم ادعاءات عدة مرات. وقبل كانون الثاني 2024، لم تتلق أونروا أي إشارة من السلطات المعنية بشأن أي تورط لموظفيها في جماعات مسلحة أو عسكرية. وبالإضافة إلى ذلك، تقوم الوكالة بالتفتيش على موظفيها على أساس نصف سنوي في قائمة العقوبات الموحدة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
آثار حظر أونروا على اللاجئين الفلسطينيين؟
من جانبه علق المفوض العام لـ أونروا فيليب لازاريني على قرار حكومة الاحتلال، قائلا إن تصويت الكنيست الإسرائيلي على قرار حظر الوكالة غير مسبوق ويشكل سابقة خطيرة، كما إنه يتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة. مؤكدًا أن هذا القرار هو الأحدث في الحملة المستمرة لتشوية سمعة الأونروا ونزع الشرعية عن دورها تجاه تقديم المساعدات والخدمات التنموية البشرية للاجئي فلسطين، الذين سيبقى وضعهم دون تغيير حتى لو توقفت الأونروا عن العمل.
وذكر المفوض العام لـ أونروا أن الفشل في التصدي لمشاريع القوانين هذه من شأنه أن يضعف الآلية متعددة الأطراف التي أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية.
هل هناك بديل؟
عرضت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على برنامج الأغذية العالمي بتولي دور أونروا، إلا أن البرنامج رد على ذلك بالرفض، وعلق مدير مكتب برنامج الغذاء العالمي في برلين مارتن فريك” “لا بديل على الأونروا ولا يستطيع البرنامج القيام بكل مهام الوكالة منها إدارة الملاجئ والمدارس والمراكز الصحية”.
وعن غياب دور أونروا علقت مديرة العلاقات الخارجية والإعلام بالوكالة تمارا الرفاعي، في مداخلة تلفزيونية مسجلة مع قناة الجزيرة: “إلى جانب الخدمات التي تقدمها أونروا، من تعليم أو خدمات صحية أو حماية، فإن أونروا تمثل المخزون للذاكرة الجماعية لوضع لاجئي فلسطين. لذا يجد لاجئي فلسطين في أونروا المكان والكيان والوكالة التابعة للأمم المتحدة التي وافقت عليها الجمعية العامة والمجتمع الدولي والتي تمثل 75 عامًا من النزوح والحرمان. هذا هو جوهر هوية أونروا”.
وأكد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، والمفوض العام للأونروا، فيليب لازاريني، أن عواقب القرار ستكون كارثية، وأن الأونروا لا غنى عنها ولا بديل لها.